التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل بيانات "الناتج المحلي الإجمالي" حبر على ورق ولا تعكس حياة المواطنين؟ أم معيار يمكن الاعتماد عليه؟

قبل تصويت البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء "بريكست"، رأى الأستاذ بجامعة "كينجز كولدج" في لندن "أناند مينون" أنه قرار انتحاري وسوف يسبب أضرارا بالغة للناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة.
 
ورأى مواطنون وقتها أن خبراء الاقتصاد يتحدثون فقط عن الناتج المحلي الإجمالي الخاص بالحكومة وليس العامة، وتساءلت "التايم" في تقرير: هل يمكن الاعتماد على مؤشرات النمو الاقتصادي لقياس الثروات والمعيشة؟


بيانات على الورق
 
- أفاد محللون أن الأمور لا تبدو كما يروج لها، فالإحصائيات والبيانات الرسمية لا تعكس دائما تجارب وحياة المواطنين، وظهر ذلك جليا في مدن مثل "نيوكاسل" بالمملكة المتحدة – التي كانت مقرا لصناعة السفن في السابق حتى فقدت هذه المكانة لصالح مدن آسيوية في سبعينيات القرن الماضي.

- بالمثل، في بعض مدن الولايات المتحدة، يعاني مواطنون – لا يحملون شهادات جامعية – في إيجاد وظائف مناسبة، كما أن خدمات الرعاية الصحية في البعض الآخر غير متميزة مقارنة بالمتوسط في البلاد.

- أظهرت بيانات رسمية أن الاقتصاد الأمريكي حقق انتعاشا وارتفع في الربعين السنويين الماضيين بأكثر من 3%، كما تشهد سوق الأسهم ارتفاعات قياسية،وانخفض معدل البطالة إلى 4.1% مسجلا أدنى مستوى في 17 عاما.

- رغم كل هذه الإيجابيات، لا يشعر الكثير من الأمريكيين أن الأمور بخير أو حتى تتجه نحو الأفضل، فمعدل البطالة أعلى من القراءة الرسمية لأن العديد من المواطنين قرروا ببساطة عدم البحث عن عمل أو يعملون بدوام جزئي عندما يريدون العمل بدوام كلي.

- ربما تكون إحدى أكبر أخطاء معايير الناتج المحلي الإجمالي هي أخذ المتوسطات وحاصل المجموع، وهو ما يؤدي إلى تجاهل الفروق الدقيقة وعدم المساواة بين المواطنين.

- لا توفر المتوسطات الكثير من التفاصيل عن الحالة الحقيقية لمعيشة المواطنين، وباستثناء بعض سنوات الركود، اتخذ الاقتصاد الأمريكي منحنى صاعدا منذ خمسينيات القرن الماضي.

- أفاد مركز "بيو" البحثي أن متوسط دخل الفرد في الساعة في وظائف القطاع الخاص غير الإداري بلغت 20.67 دولار عام 2014، أعلى 1.49 دولار فقط من متوسطه عام 1964 – مع حساب التضخم.

الناتج وليس الخدمات
 
- تشير دراسات إلى أن العامة يهتمون بالثروات النسبية أكثر من الثروات المطلقة، وأجرت جامعة أمريكية تجربة لقياس الرضا عن المعيشة، واكتشف أن أكثر ما يهم المواطنين تحقيق المساواة في الأجور.

- في ضوء ذلك، تكمن المشكلة في الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي كمقياس في أنه لا يعكس حالة عدم المساواة، وتم تدشينه في أمريكا خلال ثلاثينيات القرن الماضي  أثناء ثورة صناعية لقياس الإنتاج – وليس الخدمات التي تهيمن على اقتصادات حديثة الآن.

- على سبيل المثال، كيف يمكن للناتج المحلي الإجمالي قياس جودة رعاية الصحة الذهنية أو مراكز رعاية اليوم الواحد أو المتنزهات؟ وحتى الاقتصادي البيلاروسي "سيمون كوزنيتس" الذي ابتكر "الناتج المحلي الإجمالي" نفسه شكك في معاييره.

- لم يعجب "كوزنيتس" باعتبار المضاربات المالية معيارا يدخل في قياس الناتج المحلي الإجمالي، كما يرى أنه لا يجب الخلط بين الناتج المحلي الإجمالي والرفاهية، وتجاهل اقتصاديون هذه التصريحات.

- لا يقيس الناتج المحلي الإجمالي الإبداع، وبالتالي، ربما تقلل نتائج من أهمية بعض الجوانب في حياة المواطنين، على سبيل المثال، كان يمكن لمليارديرات القرن التاسع عشر التخلي عن أمواله للحصول على دورة علاجية بالمضادات الحيوية – التي لم تكن متاحة في ذلك الوقت، ولكنها الآن بتكلفة بسيطة ولا تسهم بشكل كبير في الاقتصادات.

- يشير كل ذلك إلى حاجة الحكومات لإيجاد طرق مختلفة لقياس نجاحاتها واقتصاداتها لأن البشر أصبحوا أسرى لمؤشر وحيد – غير دقيق في المجمل – وربما حاول الرئيس الفرنسي الأسبق "نيكولا ساركوزي" في هذا الأمر عندما أمر لجنة بقيادة الاقتصادي الحائز على جائزة "نوبل" "جوزيف ستيجليتز" بدراسة حول ذلك ليخلص إلى تقرير تحت عنوان "نحن نسيء قياس حياتنا".

- تحدث "ساركوزي" لاحقا عن فجوة بين الرفاهية وحياة البشر والمقارنات الاقتصادية الرسمية وأكد على أن هذه الفجوة ربما هي السبب وراء تمزق المجتمعات وحالة الغضب بين المواطنين بشأن حالاتهم المعيشية التي لا تعكسها بيانات رسمية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدعاية, مفهومها,نشأتها, أهميتها ( علاء درويش )

v تعريف الدعاية : لما كانت الدعاية من الكلمات التي لم يتم الاتفاق على مفهومها حتى الآن ونظراً لما عانته من استخدامات معقدة في أنظمة مختلفة تسببت في تشويه الكلمة وتغيير دلالتها فإنه ينبغي علينا كباحثين أن نسعى إلى التوضيح ونبعد عن الغموض [1]   . فهنالك الكثير من التعاريف سوف نعرض بعضها فيما يلي : الدعاية في الاصطلاح : هي التأثير على سلوك الآخرين ومعتقداتهم بواسطة الاستخدام الانتقائي المدروس للرموز ونشرها سواء أكانت الرموز لفظية أم سمعية , أم بصرية أم إدراكية والتركيز على الكلمة المنحوتة أم المقروءة المسموعة أم مصورة أم مرئية [2] . كما تعرف الدعاية في دائرة المعارف الأمريكية بأنها جهود يتوفر فيها عامل التعمد والقصد في العرض والتأثير وهي جهود منظمة مقصودة للتأثير في الغير وفق خطة موضوعة مسبقاً لإقناعه بفكرة أو سلعة أو رأي بهدف تغيير سلوكه وتعمد إحداث تأثير على الآراء و الاتجاهات والمعتقدات على نطاق واسع عن طريق الرموز و الكلمات و الصور وإيماءاتها المختلفة , ولهذا التأثير المتعمد جانبان : جانب إيجابي يهدف إلى غرس بعض الآراء والاتجاهات , وجانب سلبي يعمل على إضعاف أو تغيير الآر...

المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر أنموذجاً اعداد ( عاصم عبد النبي أحمد )

المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر أ نموذجاً عاصم عبد النبي أحمد البندي ملخص البحث       يهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على المشروعات الصغيرة، وبيان الآثار الاقتصادية لها على الاقتصاد، وتوضيح مدى الارتباط بين فعالية المشروعات الصغيرة وتحقيق التنمية الاقتصادية.       وفي سبيل تحقيق أهداف البحث تم دراسة الوضع الراهن للمشروعات الصغيرة في مصر وذلك للوقوف على وضعها الحالي في ظل معدلات التنمية الاقتصادية، ثم دراسة الآفاق المستقبلية لهذا الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المشروعات مستقبلاً في ظل الظروف التي انتابت معظم اقتصاديات دول العالم ومنها مصر. ومن خلال نتائج البحث أوصى الباحث بمجموعة من التوصيات والمقترحات. Abstract       This research aims to shed light on small projects and their economic effects on the economy and to clarify the relationship between the effectiveness of small projects and economic development.       In order to achieve the objectives of t...

أهمية نظام التكاليف على أساس الأنشطة ABC في دعم مراقبة التسيير ورفع أداء المؤسسة ( مشاش نادية )

أي مؤسسة ومهما كانت امكانياتها أو قدراتها فإنها لا تستطيع المحافظة على موقعها بنفس الأساليب التقليدية المتبعة وخاصة تلك المتعلقة بنظام محاسبة التكاليف الذي عرفت عناصره عدة تغيرات في الأهمية والشكل والهيكل والمكونات، ومن هنا جاءت هذه الدراسة التي كانت تحت عنوان " أهمية نظام التكاليف على أساس الأنشطة ABC في دعم مراقبة التسيير ورفع أداء المؤسسة " كمحاولة لإلقاء الضوء على نظام التكاليف على أساس الأنشطة Activity Based Costing ( ABC ) كأحد أحدث التطورات المحاسبية المستخدمة في الكثير من المؤسسات العالمية القوية والذي اثبتت العديد من الدراسات أنه في حال تبنيه يعمل على رفع القدرة التنافسية والكفاءة الانتاجية للمؤسسات. حيث جاءت هذه الدراسة لتبيان مدى اعتماده من طرف الإدارة بمفهومه الاستراتيجي الحديث وأهميته في مراقبة التسيير المؤسسات الاقتصادية بما يسمح لها بمواكبة متطلبات العصر الحالي والتغلب على المنافسة الحادة. Abstract    Any institution, whatever its potentials or capabilities, can not maintain its position in the same traditional ways; specially those related to the cos...