التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحو فهم أعمق لسوق العقار م. إبراهيم الصحن

يميل البعض إلى تبسيط التغيرات التي تحصل في الأسواق بشكل عام بوضعها داخل دائرة المبدأ الاقتصادي الشهير (العرض والطلب)، لكن الواقع أن هناك بعدا آخر يحرك الأسواق وهو سلوك المتعاملين في السوق، وهذا الأمر ثبت بالدراسات التجريبية، وسوق العقار ليس بدعا من هذه الأسواق التي تتأثر بسلوك المتعاملين فيها كما يوضح هذا الأمر بيكر وريكياردي في كتابهما الصادر في عام 2014 بعنوان (سلوك المستثمر: علاقة علم النفس بالاستثمار والتخطيط المالي)، وقد بين الكتاب وفقا للدراسات التجريبية في فصل متخصص بمجال اتخاذ القرارات الاستثمارية العقارية وعلاقتها بعلم السلوك التمويلي، أن هناك دافعين أساسين لسلوك المستثمرين في العقار وهما ضعف مصادر الحكم وكذلك السلوك التحيزي. الدافع الأول وهو ضعف مصادر الحكم، فمن المعلوم أن هناك كثيرا من المعلومات التي تغيب عن المتعاملين في السوق العقارية وهذا الأمر يكثر ويتضح بالنسبة للأفراد الراغبين في شراء منازلهم، حيث يعانون قلة المعرفة وضعف بيانات السوق، وكذلك ارتفاع إجراءات نقل الملكية مثل السعي وضريبة القيمة المضافة حاليا -ما عدا الإعفاء لمن يشتري منزله لأول مرة حتى مبلغ 850 ألف ريال- وكذلك يدخل في هذا المجال صعوبة تسييل العقار الذي يحتاج إلى أشهر في حال نشاط السوق، وإلى أكثر من سنة في حال الركود، وكل هذه العوامل المكلفة والطويلة المدى تؤدي إلى تمسك الملاك بما لديهم حاليا حتى لو كانت العروض مغرية، لأن البدائل ستحتاج إلى وقت وجهد لتحصيلها، كما ينتج من ذلك تراخي المشترين عن البت في قرار الشراء رغبة في الوصول إلى سعر مناسب، وفي وقت الركود بالذات، حيث يقل الطلب وتشح عروض الشراء من الملاك، نجد أن بعض الملاك يميلون للبيع بسرعة خشية عدم حصولهم على عروض شراء أعلى مستقبلا وتخوفهم من تحرك السوق نحو الانخفاض بشكل أكبر، في المقابل وبسبب خاصية الموقع للعقار التي تجعل كل عقار فريدا من نوعه ولا يوجد عقاران متماثلان، نجد بعض الملاك يميل إلى فرض سعره الخاص الذي يتمسك به مهما تغيرت أحوال السوق، وهذا قد يظهر جليا عند وجود علاقة عاطفية مع المنزل، مثل أن يكون منزل الطفولة أو الوالدين، أو منزل كبير العائلة الذي تجتمع الأسرة فيه دوما، ولذا نلاحظ في سوقنا المحلية بعض العائلات التي ترفض أن تبيع فيلتها الكبيرة القديمة التي لا يستخدمها أحد وذلك للتعلق العاطفي بها. والدافع الثاني وهو السلوك التحيزي فيمكن أن يكون جراء ضعف الخبرة وهذا يغلب كما أسلفت على مشتريي الوحدات السكنية من عامة الناس، أو المستثمرين البسطاء أو غير المتخصصين الذين يدخلون السوق العقارية للاستفادة من ارتفاعاتها، ولا سيما في وقت الانتعاش وهنا يأتي تأثير الثقة العمياء -أجد أنها أبلغ بالتعبير من الثقة المفرطة- التي تتشكل غالبا عند غير المختصين أو حديثي العهد بالمجال، حيث يعمم تجربته البسيطة وقت الانتعاش على السوق بشكل عام، ما يجعله عرضة للخسائر وضعف التدبير خلال تقلبات السوق خاصة فترات هبوط الأسعار وركود الصفقات العقارية، كما أن الأبحاث أشارت إلى أن هؤلاء يعتدون بمهاراتهم عند النجاح ويضعون اللوم على سوء الحظ عند الفشل، وأن الأقل معرفة وخبرة غالبا تتكون عنده الثقة العمياء بعكس العارفين والمتخصصين، وفي سوقنا المحلية يمثل ما حصل في مجال المساهمات العقارية وتعثرها حالة واقعية، فعند التمعن في كثير من الحالات نجد أن هذه السمات هي الغالبة على من قام بجمع أموال الناس ثم ضيعها بجهله وعدم تحرزه للمخاطر المحتملة المصاحبة لمجال التطوير العقاري بالذات، ومن الملاحظات كذلك في حال انتعاش السوق أن من يبيع عقاره بهامش ربح جيد، غالبا ما يشتري العقار التالي بسعر مرتفع عن القيمة العادلة، وهنا تظهر علامات الثقة العمياء والخروج عن الأسس المنطقية في تقييم العقار لتظهر آثار الفقاعة عند انتشار هذا الأسلوب في البيع والشراء بين شريحة واسعة من المتعاملين في السوق لتتحول إلى سوق مضاربات حامية وتبتعد عن أسس الاستثمار السليم. والظاهرة السلوكية الأخرى هي ضعف التفاعل مع المعلومات، وهذا ملاحظ بشدة عند البائعين، ولا سيما عند وجود تغيرات اقتصادية تجدهم ما زالوا متمسكين بالأسعار السابقة، ويجدون صعوبة في الربط بين المتغيرات الاقتصادية الحاصلة، مثل تغير أسعار النفط منذ 2015 وتأثيره في اقتصاد السعودية، وانعكاس ذلك على أسواق العقار التي غالبا تحتاج إلى وقت وتدرج حتى يتضح تأثرها بعكس أسواق أخرى مثل أسواق المال أو النقد التي تستجيب بشكل أسرع لهذه المتغيرات. الخلاصة، استيعاب سلوك المتعاملين في القطاع العقاري يعطي نظرة أوسع وتحليلا من أبعاد مختلفة لما يبدو غير منطقي من الوهلة الأولى، ولذلك برز علم السلوك التمويلي والاستثماري، كما أنه ليس من اللازم عند معرفة هذه المعلومات أن يتم استخدامها استثماريا بقدر أن يكون المتعامل في القطاع العقاري أكثر وعيا لما يجري حوله، ولذا أنصح المهتمين بالقطاع العقاري الالتفات لهذا الجانب الممتع من المجال، والاطلاع على المستجدات فيه لما فيه من إثراء الجانبين العاطفي والذهني للعقاري المهني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدعاية, مفهومها,نشأتها, أهميتها ( علاء درويش )

v تعريف الدعاية : لما كانت الدعاية من الكلمات التي لم يتم الاتفاق على مفهومها حتى الآن ونظراً لما عانته من استخدامات معقدة في أنظمة مختلفة تسببت في تشويه الكلمة وتغيير دلالتها فإنه ينبغي علينا كباحثين أن نسعى إلى التوضيح ونبعد عن الغموض [1]   . فهنالك الكثير من التعاريف سوف نعرض بعضها فيما يلي : الدعاية في الاصطلاح : هي التأثير على سلوك الآخرين ومعتقداتهم بواسطة الاستخدام الانتقائي المدروس للرموز ونشرها سواء أكانت الرموز لفظية أم سمعية , أم بصرية أم إدراكية والتركيز على الكلمة المنحوتة أم المقروءة المسموعة أم مصورة أم مرئية [2] . كما تعرف الدعاية في دائرة المعارف الأمريكية بأنها جهود يتوفر فيها عامل التعمد والقصد في العرض والتأثير وهي جهود منظمة مقصودة للتأثير في الغير وفق خطة موضوعة مسبقاً لإقناعه بفكرة أو سلعة أو رأي بهدف تغيير سلوكه وتعمد إحداث تأثير على الآراء و الاتجاهات والمعتقدات على نطاق واسع عن طريق الرموز و الكلمات و الصور وإيماءاتها المختلفة , ولهذا التأثير المتعمد جانبان : جانب إيجابي يهدف إلى غرس بعض الآراء والاتجاهات , وجانب سلبي يعمل على إضعاف أو تغيير الآر...

المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر أنموذجاً اعداد ( عاصم عبد النبي أحمد )

المشروعات الصغيرة وأثرها في التنمية الاقتصادية مصر أ نموذجاً عاصم عبد النبي أحمد البندي ملخص البحث       يهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على المشروعات الصغيرة، وبيان الآثار الاقتصادية لها على الاقتصاد، وتوضيح مدى الارتباط بين فعالية المشروعات الصغيرة وتحقيق التنمية الاقتصادية.       وفي سبيل تحقيق أهداف البحث تم دراسة الوضع الراهن للمشروعات الصغيرة في مصر وذلك للوقوف على وضعها الحالي في ظل معدلات التنمية الاقتصادية، ثم دراسة الآفاق المستقبلية لهذا الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المشروعات مستقبلاً في ظل الظروف التي انتابت معظم اقتصاديات دول العالم ومنها مصر. ومن خلال نتائج البحث أوصى الباحث بمجموعة من التوصيات والمقترحات. Abstract       This research aims to shed light on small projects and their economic effects on the economy and to clarify the relationship between the effectiveness of small projects and economic development.       In order to achieve the objectives of t...

أهمية نظام التكاليف على أساس الأنشطة ABC في دعم مراقبة التسيير ورفع أداء المؤسسة ( مشاش نادية )

أي مؤسسة ومهما كانت امكانياتها أو قدراتها فإنها لا تستطيع المحافظة على موقعها بنفس الأساليب التقليدية المتبعة وخاصة تلك المتعلقة بنظام محاسبة التكاليف الذي عرفت عناصره عدة تغيرات في الأهمية والشكل والهيكل والمكونات، ومن هنا جاءت هذه الدراسة التي كانت تحت عنوان " أهمية نظام التكاليف على أساس الأنشطة ABC في دعم مراقبة التسيير ورفع أداء المؤسسة " كمحاولة لإلقاء الضوء على نظام التكاليف على أساس الأنشطة Activity Based Costing ( ABC ) كأحد أحدث التطورات المحاسبية المستخدمة في الكثير من المؤسسات العالمية القوية والذي اثبتت العديد من الدراسات أنه في حال تبنيه يعمل على رفع القدرة التنافسية والكفاءة الانتاجية للمؤسسات. حيث جاءت هذه الدراسة لتبيان مدى اعتماده من طرف الإدارة بمفهومه الاستراتيجي الحديث وأهميته في مراقبة التسيير المؤسسات الاقتصادية بما يسمح لها بمواكبة متطلبات العصر الحالي والتغلب على المنافسة الحادة. Abstract    Any institution, whatever its potentials or capabilities, can not maintain its position in the same traditional ways; specially those related to the cos...